أثارت بناية تجويد الخيول في البطان من ولاية منوبة المعروفة ب'قشلة البطان' الجدل في السنوات الأخيرة ، بين تأكيد البعض تصدعها وإمكانية سقوطها، خاصة مع رفع اشهار لافتة "احذر بنية آيلة للسقوط" لسنوات ، وبين ارتفاع كلفة ترميمها وإعادة احيائها وصعوبة توفير الاعتمادات اللازمة لذلك.

وفي تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، أكدت الباحثة وممثلة المعهد الوطني للتراث بجهة منوبة وحيدة السكوحي ان "اغلب اجزاء المبنى وخاصة الأسقف في حالة سيئة نتيجة غياب الصيانة الدورية طيلة سنوات استغلاله الأمر الذي جعل بعض اجزائه عرضة للانهيار".

وأضافت أن " الوضعية التي أصبحت عليها البناية تتطلب التدخل العاجل، وأن مصالح المعهد الوطني للتراث تعهدت في جلسة عمل مع ممثلي وزارة الفلاحة في نوفمبر 2017 بتقديم المساعدة الفنية لمنع الأخطار المستعجلة التي تهدد سلامة المارة والعاملين بالمبني.

إذ تعود أقدم أجزاء هذا البناية التاريخية غير المرتبة، للقرن 17 ، كما ألحقت بها إضافات خلال الفترة الاستعمارية وشيدت بها ثكنة عسكرية للجيش الفرنسي بين1883 الى حدود 1945، وفي سنة 1949 أدرجت تحت اشراف وزارة الفلاحة التي وظفتها كمركز لفائدة المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل.

تُعد هذه البناية وحدة متكاملة فهي في الأصل بناية قصر بن عياد التي اكدت معطيات تاريخية أنه بني عام 1616 من قبل عثمان داي قائد الجيش الانكشاري في العهد العثماني ، ثم تحول إلى ثكنة عسكرية فمركز لتربية الخيول.

كما تضم مصنعا في طابقها الارضي الذي اكد كتاب "أتحاف أهل الزمان" لأحمد إبن أبي ضياف أنه بني في سنة 1844 في عهد المشير أحمد باي ، وكان يحتوي على 2422 "ماكينة" تعمل بالطاقة المائية قوتها إثنا عشر حصانا بخاريا ويشغل مئات العمال التونسيين، إنتاجه في مرحلة أولى كان موجه لتلبية حاجيات الجيش من لباس عسكري رفيع ثم في مرحلة أخرى أصبح يصدر فائض الإنتاج إلى إيطاليا.

صمدت هذه البناية التاريخية طوال سنوات طويلة محافظة على مكوناتها وزخرفتها الشاهدة على تمازج العمارة المدنية العثمانية بتونس والفن الايطالي والأندلسي، وعلى مكوناتها من اقواس دائرية واقباء متقاطعة ونوافذ مستطيلة الشكل ودريباتها وصحونها وقبابها من الجهتين.

من جهته، ثمن رئيس بلدية البطان واصف المديوني القيمة التاريخية والرمزية الاعتبارية للبناية المعروفة ب"قشلة البطان"، معتبرا أن الاشكال يكمن في استغلالها من قبل مصالح المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل التابعة لوزارة الفلاحة ، والتملص من المسؤولية تجاهها بصيانتها وترميمها منذ عشرات السنوات، فضلا عن تأكيد مصالح وزارة الثقافة انها بناية قديمة غير مرتبة ولا تعود لها بالنظر، وان عملية التخصيص يجب ان تشمل كامل المعلم لا جزء منه فقط.

هذا التراشق بالمسؤوليات عوض تحمّلها كان عائقا طوال السنوات الأخيرة وهو ما أدى الى تتدهور الوضعية.

ويطلق سقوط جزء من الاسقف الخشبية المهترئة ،انذارا للجميع بأن الوقت قد حان لإيجاد الحلول وفق اجماع عدد من الناشطين بالمجتمع المدني بالمنطقة.

من جهة اخرى ، تجندت السلط الجهوية والمحلية بالتنسيق مع مصالح الفلاحة والمؤسسة المستغلة والمعهد الوطني للتراث ،في الاسابيع الماضية، باشراف والي الجهة ، لبحث الحلول العاجلة التي تحول دون حدوث اي طارئ.

وتدارست التدخلات العاجلة التي قد تحول دون سقوط مزيد الاجزاء على وسائل النقل ورؤوس المارة ،خاصة مع وجودها في مكان حيوي في مفترق الطرق المؤدية إلى العاصمة ومعتمدية طبربة وبرج العامري و بقية مناطق المعتمدية.

وتعتبر مصالح المعهد الوطني للتراث أن تخصيص جزء من المبنى لفائدة وزارة الثقافة على اعتبار ان باقي الاجزاء مستغلة من المؤسسة، من شأنه ان يساهم في تجزئة المعلم الذي يعتبر وحدة متكاملة كما ان عملية الفصل بين اجزائه يخلق اشكالية في النفاذ الى جميع وحداته المعمارية.

أما في ما يتعلق بأشغال الترميم والتثمين، فأعرب ممثلو المعهد عن امكانية المساعدة في انجاز الدراسات العلمية والفنية اللازمة لحماية المبنى وسط تقديرات ب08 مليون دينار ككلفة جملية للقيام بالترميم والإصلاحات اللازمة ،وإعادة بريق المعلم التاريخي.

وقد أكد والي منوبة محمد شيخ روحه  ان حماية محيط البناية بات اولوية قصوى وقد انعقدت عدة جلسات متابعة وتم تنظيم زيارات ميدانية لتدارس الحلول الاستعجالية ،اذ تم توفير اعتمادات بقيمة 200 الف دينار للقيام بالتدخلات في الغرض بعد التنسيق بين جميع الاطراف للقيام بأشغال الحماية الاولية وتثبيت حواجز وأعمدة حديدية.

وأشار الى تواصل المساعي ريجاد الحلول الكفيلة بتثمين هذا المعلم وبقية المعالم والآثار التاريخية التي تزخر بها الجهة والتي تشكل مخزونا حضارياوإرثا إنسانيا عريقا وتحسين النسيج المعماري التقليدي للمنطقة التاريخية.

المصدر (وات)